نخبة من الأكاديميين

293

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

أولًا : ظهر في هذه الولايات بالتدريج نوع من الإدارة اللامركزية أو نوع من الاستقلال الذاتي عن المركز العثماني ، كما ظهر منذ بداية القرن الثامن عشر م خاصة في تونس وليبيا - عصبيات محلية ( الحسينيون في تونس والقرامانليون في ليبيا ) استطاعت أن تستأثر بالسلطة وأن تجعلها وراثية ، في ظل اعتراف من السلطان العثماني ، وإن كان حتى استمرار السيادة العثمانية بصورة اسمية . ولقد أثرت عملية انتقال السلطة هذه والتنازع عليها على أوضاع شمال أفريقيا بحيث أدى تدهورها في نهاية القرن الثامن عشر م إلى فتح أبواب التدخل الخارجي ثم الاحتلال العسكري بعد ذلك . ثانياً : مارست الولايات الثلاث ( تونس والجزائر وليبيا ) نشاط الجهاد البحري ضد المصالح الأوروبية في المتوسط . وإذا كانت العديد من المصادر الغربية قد وصفته بأعمال " القرصنة " مما استوجب من المؤرخين المسلمين دحض هذا الاتهام فإن بعض المصادر الغربية بينت أنه لم يكن نشاطًا قاصرًا على المسلمين فقط وأنه لا تنطبق عليه مواصفات القرصنة ، ولقد ساند المركز العثماني أنشطة الجهاد البحري للولايات الثلاث ؛ حيث كان يحقق في البداية أهدافًا عثمانية في مواجهة القوى الأوروبية في المتوسط بتكلفة أقل من تكلفة القوة البحرية النظامية . ومن ثم كان التنسيق حول أنشطة الجهاد البحري من أهم الروابط بين المركز العثماني وبين هذه الولايات رغمًا عن أبعاد اللامركزية في الشؤون الداخلية ؛ ولهذا فإن نمط التفاعلات الأوروبية مع هذه الولايات لا يعكس نفس النمط الذي ظهر حول ولايات الشام . إذ كان الطرف الأوروبي مصدر المساندة للحركات الاستقلالية عن الدولة العثمانية في الشام وهو الأمر الذي لم يظهر في خبرة شمال أفريقيا . بل كان التنسيق حول الجهاد البحري مؤشرًا على الوضع المعاكس . وقد زدادت الصورة وضوحًا بهذا الصدد حين أراد العثمانيون أن يحدّوا من أنشطة الجهاد البحري وذلك تنفيذًا لالتزامات عديدة في معاهدات الصلح التي عقدت مع الدول الأوروبية في ظل بداية تدهور القوة العثمانية - إذ قاوم دايات الجزائر الطلبَ العثماني مما دفع العثمانيين لممارسة الضغوط مثل وقف المساعدات العسكرية والمالية وغيرها ، وكان الأمر ينتهي دائماً باستجابة الدايات لسياسة استانبول . ومن الأمثلة الأخرى على استمرار خضوع الولايات في شمال أفريقيا للسيادة العثمانية في مجال العلاقات الدولية هو أن عقد معاهدات السلام والتجارة ( بين تونس وبعض الدول الأوروبية ) كان يوقعها الباشا العثماني باعتباره الممثل الرسمي للسلطان . خلاصة القول وبعبارة موجزة ، إنه مهما بدا تراخي يد السلطة العثمانية على الأوضاع الداخلية فإن الولايات الثلاث لم تنفصل عن الدولة العثمانية أو تستقل عنها . فكانت الولايات عدا ما سبق ذكره من روابط - تقدم المساعدة العسكرية لبعض الحملات البحرية العثمانية في المتوسط ( مثلًا على كريت وخلال الحرب الروسية - العثمانية ( 1768 - 1772 م ) . وكانت هذه الروابط العثمانية مع ولاياتها في شمال أفريقيا ووضع القوى الأوروبية منها يحركها دوافع وتوجهات الطرفين : فكانت الدولة العثمانية تحرص على التصدي للدول الأوروبية برًا وبحرًا وفي الوقت نفسه لا تشجع الحكام المحليين على الانفصال ، كما كانت الولايات تحرص بدورها على عدم الانفصال وإن سعت إلى زيادة استقلالها